سلسلة ردود شبهات حول التوسل
الشبهة الرابعة
نص الشبهة.
قال الشيعي
قال الله تعالى {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ} والمجيء يشمل المجيء إليه في حياته وإلى قبره بعد موته.
نص الجواب من عشرة أوجه
الأول: أن الآية في المنافقين الذين كانوا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وقال الله فيهم ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾
فالآية خاصة بالمنافقين فمن رأى أن الحكم يعمه فإنه الوصف يعمه ايضا.
ثانيا: أن الآية وسياقها ليس فيها ولا صيغة واحدة من صيغ العموم بل الموجود فيها ضمائر تعود على المنافقين (ولو أن(هم) إذ ظلم *(وا) أنفس(هم) جاء(و)ك فاستغفر(وا) الله واستغفر ل(هم) الرسول لوجد(وا) الله توابا رحيما
فإن قال الشيعي أنا أقيس العصاة من المسلمين على المنافقين بجامع المخالفة فنقول يلزمك أمران:
أولهما أنك مشابه لإبليس إذ القايس عند الشيعة مشابها لإبليس وأنه أول من قاس.
والثاني أن دليلك حينها على مشروعية التوسل هو القياس لا القرآن.
ثالثا: قوله بأن المجيء يشمل حياته وقبره بعد موته فالجواب عنه بما ذكره الإمام السهسواني رحمه الله في صيانة الإنسان وهذا كلامه بتمامه لما فيه من فوائد
(.... جعل المجيء إليه صلى الله عليه وسلم الوارد في الآية عاماً شاملاً للمجيء إليه صلى الله عليه وسلم في حياته وللمجيء إلى قبره صلى الله عليه وسلم بعد مماته، ولم يدر أن اللفظ العام لا يتناول إلا ما كان من أفراده، والمجيء إلى قبر الرجل ليس من أفراد المجيء إلى عين الرجل، ولا يفهم منه أصلاً أمر زائد على هذا، فإن ادعى مدع فهم ذلك الأمر الزائد من هذا اللفظ فنقول له: هل يفهم منه كل أمر زائد، أو كل أمر زائد يصح إضافته إلى الرجل، أو الأمر الخاص أي القبر ؟
والشق الأول مما لا يقول به أحد من العقلاء.
فإن اختير الشق الثاني يقال: يلزم على قولك الفاسد أن يطلق المجيء إلى الرجل على المجيء إلى بيت الرجل وإلى أزواجه وإلى أولاده وإلى أصحابه وإلى عشيرته وإلى أقاربه وإلى قومه وإلى أتباعه وإلى أمته وإلى مولده وإلى مجالسه، وإلى آباره وإلى بساتينه، وإلى مسجده وإلى بلده وإلى سككه وإلى دياره، وإلى مهجره، وهذا لا يلتزمه إلا جاهل غبي، وإن التزمه أحد فيلزمه أن يلتزم أن الآية دالة على قربة المجيء إلى الأشياء المذكورة كلها، وهذا من أبطل الأباطيل.
وإن اختير الشق الثالث فيقال: ما الدليل على هذا الفهم ؟ ولن تجد عليه دليلاً من اللغة والعرف والشرع، أما ترى أن أحداً من الموافقين والمخالفين لا يقول في قبر غير قبر النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه أحد أنه جاء ذلك الرجل، ولا يفهم أحد من العقلاء من هذا القول أنه جاء قبر ذلك الرجل.
فتحصل من هذا أن المجيء إلى الرجل أمر، والمجيء إلى قبر الرجل أمر آخر، كما أن المجيء إلى الرجل أمر، والمجيء إلى الأمور المذكورة أمور أخر، ليس أحدها فرداً للآخر.
إذا تقرر هذا فالقول بشمول المجيء إلى الرسول: المجيء إلى الرسول والمجيء إلى قبر الرسول، كالقول بشمول الإنسان الإنسان والفرس، وهذا هو تقسيم الشيء إلى نفسه وإلى غيره، وهو باطل بإجماع العقلاء، وهكذا جعل الاستغفار عنده عاماً شاملاً للاستغفار عند القبر بعد مماته، مع أن الاستغفار عند قبره ليس من أفراد الاستغفار عنده.
فإن قلت: لا نقول إن المجيء إليه صلى الله عليه وسلم شامل للمجيء إليه في حياته وللمجيء إلى قبره بعد مماته حتى يرد ما أوردتم، بل نقول إن المجيء إليه شامل للمجيء إليه في حياته الدنيوية المعهودة والمجيء إليه في حياته البرزخية، ولما كان المجيء إليه في حياته البرزخية مستلزماً للمجيء إلى قبره ثبت من الآية المجيء إلى قبره صلى الله عليه وسلم الذي هو المسمى بزيارة القبر.
قلنا: لا سبيل إلى إثبات الحياة البرزخية من لغة ولا عرف، فلا يفهم من هذا اللفظ – بحروف اللغة والعرف – إلا المجيء إليه في حياته الدنيوية المعهودة، فلا يكون المجيء إليه في حياته البرزخية فرداً للمجيء إليه بحسب اللغة والعرف، إنما تثبت الحياة البرزخية ببيان الشرع، لكن يبقى الكلام في أن كون المجيء إليه في حياته البرزخية فرداً من المجيء إليه هل يثبت من الشرع أم لا ؟ وعلى مدعي الثبوت البيان، وفي أن المجيء إلى قبره هو عين المجيء إليه في حياته البرزخية أو مستلزم له أم لا ؟ وعلى المدعي الدليل، لم لا يحوز أن لا يكون المجيء إلى قبره عين المجيء إليه في حياته البرزخية ولا مستلزماً له بل يتوقف المجيء إليه في حياته البرزخية على أن يموت الجائي وينتقل إلى عالم البرزخ، فلابد من نفي هذا الاحتمال بدليل من الشرع، ويؤدي هذا أنا إذا قلنا جئنا زيداً، إنما نريد به أنا جئنا إلى مكان يُرى منه زيد ويسمع كلامه بحسب العادة، والمجيء إلى القبر ليس مجيئاً إلى مكان يُرى منه المقبور ويسمع كلامه، ويسمع المقبور كلام الجائي، أما تعلم أن الحي لو دفن في القبر كما يدفن الميت لن يرى أصلاً ولن يسمع كلامه، ولا هو يسمع كلام الجائي، وأما سماع الموتى خفق نعالنا وغير ذلك مما ثبت في الأحاديث فليس بحسب العادة، إنما هو بإسماع الله تعالى، يخلق قوة فيه هي خارجة عن العادة، أو بطريق آخر لا علم لنا بتعيينه، إنما نجزم أنه بطرق غير عادي.
يرشدك إلى هذا أن الزوار لا يرون المقبور ولا يسمعون كلامه، والمقبور يرى الزائر ويسمع كلامه، وهذا أدل دليل وأوضح برهان على أن رؤية المقبور وسماعه ليس بطريق عادي بل بطريق غير عادي، وإلا لسمع الزائر أيضاً كلام المقبور ورآه، على أن المجيء إليه قد انقطع بعد موته كما انقطع سائر الأحكام التي سيأتي ذكرها في الوجه الثالث، والفرق بين المجيء إليه وسائر الأحكام لا يقبل بغير بيان فارق شرعي، وأنى لك ذلك ! وأما ما قال السبكي في تعليله وتبعه القسطلاني تعظيماً له فيرد عليه أنه على هذا يلزم أن لا تنقطع جميع الأحكام المذكورة أيضاً تعظيماً له، على أنه ما الدليل على أن التعظيم يوجب عدم انقطاع هذا الحكم بالموت من كتاب وسنة ؟!)
رابعا: أن الآية حجة عليك لأنه لو كان التوسل بالذوات جائزا لما احتاجوا للمجيء إليه ولكفاهم أن يقولوا في مراقدهم اللهم إنا نتوسل إليه وندعوك بالرسول أن تغفر لنا، لكن لما أُمروا بالمجيء إليه وسؤاله الاستغفار دل على أن الذي ينفعهم هو استغفار الرسول ودعاءه وهو المطلوب يبينه الوجه الخامس.
خامسا: أن الآية في دعاء الرسول لهم و دعاءه يكون في حياته لا بعد موته فتكون دليلا على جواز طلب الدعاء من الصالحين الأحياء بدليل أنهم لم يذهب أحد من الصحابة بما فيهم آل البيت إلى قبر الرسول بعد الذنب وهو السادس
سابعا: لو سلمنا أن الرسول يستغفر لمن طلب منه ذلك بعد موته فإنه لا حاجة للمجيء إليه إذ الرسول مكلف بذلك أصلا لقوله تعالى وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ ۗ.
فإذا كان المستدل يرى نفسه مومنا فقد دخل في عموم الآية وإن كان يرى نفسه غير مومن بل مشركا أو كافرا لم ينفعه استغفار الرسول له لقوله تعالى (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ)
ثامنا: أن الله تعالى في كتابه كله لم يشترط في قبول التوبة المجيء إلى الرسول إلا على المنافقين كما في الآية التي استدل بها الشيعي وكما في قوله تعالى من سورة المنافقين ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾
تاسعا: لو سلمنا أن الآية تشمل غير المنافقين من عصاة الموحدين وأن المجيء إلى الرسول شرط في التوبة فإنا نقول هي منسوخة بالآيات المحكمات الكثيرة في القرآن كقوله تعالى ( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ) فسوءا نكرة في سياق الشرط تفيد العموم ويظلم نفسه مطلقة يدخل فيها كل ظلم من شرك وكفر ونفاق ومعصية.....
ثم لم يشترط الله في ذلك إلا الاستغفار.
وهذه الآية أجمع الناس كلهم أنها عامة في حياته وبعد موته صلى الله عليه وسلم بخلاف الأولى.
عاشرا: أنه سلمنا بأن معنى الآية التوسل بجاه الرسول والمجيء إليه لاستغفار الله، وأنها تشمل المنافقين والموحدين وأنها عامة في حياته وبعد موته فإنها تكون خاصة به صلى الله عليه وسلم فليس في الآية دليل التوسل بقبور الصالحين وطلب الاستغقار بهم.....
والله أعلم.
كتبه أبو بكر هشام بن ادريس بن عبد السلام بنعزي المغربي